مدونة فضيلة المفتي هاني العابد

حب الوطن من الايمان

hanekaleelm | 19 يناير, 2017 11:48

 

            حب الوطن وأهميته في الشريعة الإ

      إعداد المفتي (مفتي البلقاء دهاني خليل عابد)

    

 

المطلب الأول : تعريف الوطن ولماذا يحبه الإنسان

المطلب الثاني : الأدلة الشرعية على محبة الوطن

المطلب الثالث: أهمية وبركة أردننا الحبيب

المطلب الرابع : حقوق الوطن علينا.

1- الحفاظ على أمنه واستقراره.

2- المحافظة على الوحدة الوطنية.

3- الالتفاف حول القيادة الهاشمية.

4- الأخذ بأسباب القوة في كافة المجالات الحياتية العمل على رفعة الوطن وازدهاره

5- الحافظ على منجزات الوطن.

6- الحفاظ على جماليات الوطن.

 

 

 

 

 

 

 

 

                                    (1)

                                 

المطلب الأول : تعريف الوطن ولماذا يحبه الإنسان             

 

                    حب الوطن من الإيمان     

 

تعريف الوطن : قال الجرجاني الوطن الأصلي هو مولد الرجل والبلد الذي هو فيه(1)

وجاء في المعجم الوسيط بأن الوطن هو مكان إقامة الإنسان ومقره وإليه انتماؤه ولدبه أو لم يولد ( 2)

أما حب الوطن فهو الأمر الجبلي الذي فطر الله عليه الإنسان من التعلق بالبلد الذي ولد ونشأ وعاش فيه، من خلاله عمله على المحافظة عليه، وتحقيق مصالحة المشروعة.

وقولي أمر جبلي استفدت هذا التعبير من كلام المفسر الالوسي رحمه الله الذي عندما وقف مع قول الله عز وجل " قل إن كان إباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارةٌ تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبّ إليكم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين" ( التوبة:24) حيث قال " والتعرض للصفات المذكورة للإيذان بأنّ اللوم على محبة ما ذكر من زينة الحياة الدنيا لا ينافي ما فيها من مبادئ المحبة ،وموجبات الرغبة فيها، وإنها مع مالها من فنون المحاسن بمعزل عن أن تكون كما ذكر سبحانه وتعالى بقوله أحبّ إليكم من الله ورسوله بالحب الاختياري المستتبع لأثره الذي هو ملازمة وتقديم الطاعة ، لا ميل الطبع فإنه أمر جبلي لا يمكن تركه ولا يؤآخذ عليه، ولا يكلّف الإنسان بالامتناع عنه (3)

                                            (2)

 من خلال كلام الألوسي  نلاحظ  بأن المفسرين يقررون عند هذه الآية أنّ حب الأوطان والديار أمرٌ جبلي فطري لا يخلو عنه البشر ( 4 ) وقد ذكر الالوسي أيضاً _رحمه الله_ في موطن آخر من كتابه عند قوله تعالى " والفتنة اشد من القتل ) ( البقرة: 191) فقال المحنة التي يفتتن بها الإنسان كالإخراج من الوطن الحبيب للطباع السلمية أصعب من القتل ،لدوام تعبها وتألم النفس بها، ومن هنا قيل

لقتل مجد السيف أهون موقعا       على النفس من قتل بحدّ فراق (5)

ويفهم من هذا أنّ متعلقات حب الوطن عند أهل النظر والبحث في الإسلام تتمثل في :

1- مشروعية التعلق بالوطن وانه أمرٌ جبلي وفطري.

2- إن حاجة الإنسان للوطن أمرٌ قررته الشريعة فالوطن يعتبر الأمّ الحاضنة لمن ولد وعاش فيه، ويتألم لفراقه والخروج منه، ويفرح عندما يعود إليه وعندما يكون آمنا مطمئنا به .

3- إن حب الوطن لا بد أن ينسجم مع المصالح العليا المشروعة له فإذا احتاج الوطن لمن يدافع عنه لم يبخل المواطن عليه لا بمالٍ ولا نفسٍ، ولا رأيٍ حسن .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                 (3)

                          المطلب لثاني:

             الأدلة الشرعية على محبة الوطن:    

أسوق بعض الأدلة التي جمعتها عن هذا المقصد العظيم من خلال النظر في كتب التفسير والحديث، والسيرة، وبالرجوع إلى المواقع الالكترونية على الانترنت، ومن أحسنها ما كتبه الدكتور على الحمادي حول الأدلة الشرعية عن حب الوطن، وأنا اذكر أهمها وأزيد عليها بتوفيق من الله تعالى فمن الأدلة :

1- روى البخاري في كتاب العمرة باب من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة, فعن انس بن مالك رضي الله عنه " أنّ النبي _صلى الله عليه وسلم_ : كان إذا قدم من السفر فأبصر درجات المدينة أوضع ناقته، وان كانت دابةً حركها من حبّها" (6) ،وحاصل الحديث مثلما قال ابن حجر بأنّ فيه دلالة على فضل المدينة وعلى مشروعية حب الوطن والحنين إليه (7).

2- جاء في قصة بدء الوحي أنّه عندما نزل الوحي على رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وذهبت به خديجة إلى ورقة بن نوفل فكان من كلام ورقة أنّه قال للنبي_ صلى الله عليه وسلم _ليتني أكون معك إذ يخرجك قومك فقال _صلى الله عليه وسلم _أو مخرجي هم " (8) يقول السهلي في الروض الأنف , وفي هذا دليل على حب الوطن وشدة مفارقته على النفس (9)

3- إنّ الدفاع عن الوطن، والسعي لتحريره أمرٌ فطري مشروع أكده الشرع نلحظ ذلك في قول الله عز وجل عن السابقين الذين أخرجوا من ديارهم وسعوا للقتال قال تعالى" وما لنا ألاّ نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبناءنا " ( البقرة: 264)

قال الشيخ ابن عثيمين في ذكره لفوائد الآية: إن من مبيحات القتال إخراج الإنسان من بلده وأهله"(10)

                                            (4)

 وقال الشيخ محمد رشيد رضا: إن من السنن الاجتماعية التي تدل عليها الآية القرآنية أنّ الأمم إذا اعتدي على استقلالها وأوقع الأعداء بها فهضموا حقوقها, تتنبّه مشاعرها لدفع الضيم وتفكّر في سبيله (11)

4- ومن الأدلة الشرعية أنّ المشركين استخدموا هذا السلاح الفتّاك في حرب أنبياء الله ورسله فما أن يعلن نبي دينه ويدعو إليه إلاّ ويطرده قومه من بلدهم إلحاقاً للأذى البدني والنفسي به ، ولنستمع إلى  كلام وتهديد قوم شعيب عليه السلام لشعيب عندما قالوا له حسبما جاء في كتاب الله عز وجل "قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين امنوا معك من قريتنا ,أو لتعودنّ في ملّتنا  قال أولو كنا كارهين"  ( الأعراف :88)

5- قوله عز وجل " أذن للذين يقاتلون بأنّهم ظلموا وإنّ الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير الحق إلا أن يقولوا ربنا الله " ( الحج 39) قال الشيخ الصّابوني في تفسير هذه الآية : أي اخرجوا من أوطانهم ظلماً وعدواناً بغير سبب موجب للإخراج(12) وكل هذه الشواهد تدل على تقرير الشرع لحب الوطن في النفوس والدعوة إلى المحافظة على الوطن وتنميته.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                (5)

المطلب الثالث                                                  

أهمية وبركة أردننا الحبيب:                    

لو سألنا أنفسنا السؤال الآتي لماذا نحب الأردن، ومن أين جاءت بركة هذا الوطن العزيز , والجواب عن ذلك مبثوث في كتب المعرفة الدينية والتاريخية التي تبرز أهمية الساحة الأردنية في التاريخ الماضي والحاضر فقد حدثت على أرضه المعارك التاريخية الكبرى، وذلك مثل عزوة مؤتة، وها هي مقامات الصحابة رضي الله عنهم شاهدة على ذلك، ونستطيع القول ما يلي :

1- إن الأردن جرت على أرضه معارك شهيرة في تاريخ الإسلام مثل غزوة مؤتة ومعركة اليرموك هذا في الماضي، أما في الحاضر فما زالت معركة الكرامة شاهدة على ثبات الأبطال من أهل الأردن في مواجهة المعتدين.

2- أطلق الأردن في عهد جلالة الملك عبدا لله الثاني بن الحسين مبادرة رسالة عمان، تلك الرسالة التي تدعو إلى أن تكون العلاقة بين الشعوب هي علاقة التعارف وليس التقاتل، وتدعوا إلى تكافل الحضارات وليس لتصارع الحضارات، محذرةً من الإرهاب بكافة أشكاله مستندة إلى قول الحق جل وعلا " يا أيها النّاس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم ( الحجرات 13)

3- القيادة الهاشمية  التي هي صاحبة نسب عريق ينتهي نسبها إلى سيدنا رسول الله محمد_ صلوات الله وسلامه عليه_ قال تعالى " قل لا أسألكم عليه أجراً ولا المودة في القربى( الشورى 23) وعن جابر بن عبدا لله رضي الله عنه " قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب ،فسمعته يقول يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي( 13)

                                                    (6)

4- جاء في بعض روايات الأحاديث: أنّ الرسول _صلى الله عليه وسلم _حدّ عرض حوضه ما بين المدينة وعمان (14) والمتتبع لأحاديث الحوض يلحظ أنّه جاء في بعض الروايات أنّ رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_ قال إن أمامكم حوضاً ما بين ناحيته كما بين جرباء واذرح (15) وجاء في بعض الروايات أنّه _صلى الله عليه وسلم_ قال ألا إني فرط لكم على الحوض وإن بعد ما بين طرفيه كما بين صنعاء وأيله، كأن الأباريق فيه النجوم ( 16) أليس في هذه الأحاديث إشارة إلى أهمية هذه الأماكن حيث جعل منها النبي صلى الله عليه وسلم بياناً لعرض حوضه وكلها أعني عمان، وأيله هي العقبة ،واذرح والجرباء، من الأردن العزيز.

5- الأردن ممر الرحّالة من المسلمين لزيارة مقامات الصحابة حيث ذكر ابن بطوطة الرحالة العربي المسلم انه زار غور الأردن، وزار فيها مقام أبا عبيدة ،ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما , وأخبر عن وجود رباط في مقام أبي عبيدة_ رضي الله عنه_ يقدم فيه الطعام لأبناء السبيل (17) واهتم الرحالة بالآثار المتعلقة بالأنبياء، والصحابة، والعلماء الذين سكنوا بلاد الشام فمثلاً الشيخ عبدا لغني النابلسي المتوفى سنة ( 1143) هـ عندما تحدث عن قبر يوشع عليه السلام أشار إلى انه يوجد ليوشع بن نون قبر في مدينة يقال الصلت _ السلط_ من أعمال البلقاء حيث قال وله قبر عظيم في طول عشرة اذرع وله هناك غاية الشهرة (18) قلت وقد اعتنى الهاشميون في إعمار مقامات الأنبياء في الأردن مثل مقام سيدنا شعيب عليه السلام، ومقام يوشع بن نون عليه السلام ،ومقامات الصحابة المدفونين في الأردن حيث أقيمت عند هذه المقامات المراكز الدينية والثقافية والاجتماعية التي تصل الحاضر بالماضي بما يخدم الإسلام والوطن في أردن  الهاشميين _حفظهم الله.

                                 (7)

6- الأردن من ارض الشام وقد وصف الله عز وجل  أرض الشام بالبركة قال تعالى عن سيدنا إبراهيم عليه السلام " ونجّيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين( الأنبياء :71) قال الالوسي : والمراد بهذه الأرض أرض الشام ووصفها بعموم البركة، لأنّ أكثر الأنبياء بعثوا فيها وانتشرت في العالم شرائعهم التي هي مبادئ الكمالات، والخيرات الدينية والدنيوية ولم يقل التي باركناها للمبالغة بجعلها محيطة بالبركة، وقيل المراد بالبركات النعم الدنيوية من الخصب وغيره، والأول اظهر وأنسب بحال الأنبياء عليهم السلام فأرض الأردن أرض بركة من حيث الموقع والحضارة والعطاء الإنساني حيث أنّها ممر إلى أولى القبلتين بيت المقدس ،وكذلك ممر إلى أول بيت وضع للعبادة وهو مكة المكرمة مروراً بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم كل هذه البركات تجعلنا نشعر بثقل المسؤولية الملقاة علينا في الحفاظ على الوطن، والحفاظ على بركته، وعلى تضحيات الأنبياء الذين عاشوا فيه ،ومرّوا على أرضه، داعين إلى توحيد الله تعالى، والى منظومة القيم والأخلاق مع مراعاة الأخذ بأسباب التطور والتقدم إضافة إلى المحافظة على وجه الأردن الحضاري العربي والإسلامي , إنها أمانةٌ في أعناقنا تدفعنا أن نقوم بحقوق هذه النعمة الكبرى التي أعطانا الله إيّاها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                      (8)

                          المطلب الرابع    

                       حقوق الوطن علينا

       

؛حقوق الوطن علينا كثيرة ومنها :

1- المحافظة على أمنه واستقراره , فمن خصائص هذا البلد أمنه واستقراره ،والواجب على الجميع المحافظة على أمنه واستقراره , لا ريب أن الكل يدرك ما للأمن من أثر في نهضة الأمم والمجتمعات، فقد جاء في دعاء سيدنا إبراهيم-عليه السلام قوله تعالى" وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام" ( سورة إبراهيم 35) وطلب الأمن كان من بين الأدعية التي يدعو بها رسول الله _صلى الله عليه وسلم _ فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال الله اكبر اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى ،ربنا وربك الله "(20) وقد أثنى الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه على العيون التي تحرس الأوطان لتدفع عنها خطر المعتدين لتبقى البلاد تنعم بالأمن وخالية من الجرائم وتحافظ على استقلالها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله "(21) كل هذه أدلة وشواهد تدعوا إلى ضرورة التنبه إلى مسألة امن الوطن واتخاذ التدابير للمحافظة عليه، وتحريم كل الأساليب التي تعرض أمنه للخطر.

2- المحافظة على الوحدة الوطنية : نهى الله  عز وجل في كتابه عن التنازع والاختلاف؛ لما يؤديان من الاختلاف والتشتت والفرقة فقال سبحانه وتعالى " واعتصموا بحبل  جميعاً ولا تفرقوا" ( آل عمران 103)

                                   (9)

 وحذر من الفرقة التي تؤدي إلى الفوضى، وخسارة المنجزات قال تعالى" ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ( الأنفال :46)

3- الالتفاف حول القيادة الهاشمية التي ترتبط جذورها بسيدنا محمّد_صلوات الله وسلامه عليه_ وما زالوا الهاشميون يحملون أعباء أمانة الأمة وتوجيهها نحو الخير، فمنذ تأسيس الإمارة بقيادة الملك عبدا لله الأول رحمه الله ،والأردن الحديث يشهد التطور والتحديث في عهود الملوك الهاشميين , الملك طلال رحمه الله والملك الحسين بن طلال رحمه الله الذي بنى الكثير من مؤسسات الانجاز الوطني ثم ألان جلالة الملك عبدا لله الثاني بن الحسن حفظه الله ورعاه والذي يسير مسيرة رائدة في قيادة هذا البلد , وما زال كذلك يعمق أسباب التطور بين أبناء شعبه، وذلك من خلال ربط أبناء شعبه  بتقنية الحاسوب، وثورة المعلومات ،إضافةً إلى تعزيزه لدور الأردن إقليمياً, وحماية الأردن من الكوارث والحروب , وإقامة نظام حكمٍ يعتمد على الشورى، والعدل، والرحمة، والتواصل مع الناس، والعمل المؤسسي , تلك القيادة الهاشمية محل إعجاب وحب عند الأردنيين، ومن الواجب علينا تعميق المحافظة على هذه القيادة امتثالا لأمر الله عز وجل القائل " يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ( النساء :59) قال إمام الحرمين الجويني : ولو ترك الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع مع تفنن الآراء لانتثر النظام , وفشت الخصومات , وتبددت الجماعات , وما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن (22)

4- الأخذ بأسباب القوة والتقدم في كافة المجالات السياسية بالاقتصادية العسكرية والتربوية والعلمية قال تعالى" واعدوا لهم ما استطعتم من قوة " ( الأنفال : 60 )

                                 (10)

 قال الشيخ محمد رشيد رضا: أمر الله تعالى عباده المؤمنين بأن يجعلوا الاستعداد للحرب التي علموا أن لا مندوحةعنها لدفع العدوان والشر، ولحفظ الأنفس، ودعاية الحق والعدل والفضيلة بأمرين احدهما :

1- إعداد جميع أسباب القوة لها بقدر الاستطاعة ،وثانيهما مرابط فرسانهم في ثغور بلادهم وحدودها ،وهي مداخل الأعداء ومواضع مهاجمتهم للبلاد(23)

5- المحافظة على جماليات الوطن وبيئته، وهذا مطلب شرعي فقد نهت الشريعة وحرمت كل التصرفات التي تشوه أرض البلاد، وتلوث الهواء عن أبي هريرة_ رضي الله عنه_ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " اتقوا اللعانين قالوا ما اللعانان يا رسول الله قال الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم "

6- الدعوة إلى أن تكون اللغة السائدة بين أبناء المجتمع فيما بينهم وفيما يطالبون به قائمة على الحوار والإقناع والتشاور وامتثال لقوله تعالى " لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين النّاس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ( سورة النساء 119) وسور القرآن الكريم وآياته مليئة بالشواهد الدالة على أساليب الحوار والإقناع وفي ذلك ذكرى لأبناء الوطن للتعاون على البر والتقوى، حفظ الله الأردن وقيادته وشعبه اللهم آمين.

 

 

 

 

                            (11)

 

المراجع

1- التعريفات , للجرجاني1/84

2- المعجم الوسيط / ابر هيم مصطفى , احمد الزيات , حامد عبدا لقادر محمد النجار,2/1008.

3- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني, شهاب الدين محمد الالوسي 7/191.

4- إرشاد العقل السليم, أبو السعود محمد العمادي 3/155

5- تفسير الالوسي 2/148

6- رواه البخاري حديث رقم (1802)

7- فتح الباري للحافظ ابن حجر , احمد بن علي , دار الريان للتراث , القاهرة ط2/1988 ج3 ص727)

8- رواه البخاري , كتاب بدء الوحي حديث رقم (3)

9- الروض الأنف, السهيلي, أبو القاسم عبدا لرحمن بن أبي الحسن دار الفكر 1989 ج1 ص726

10- تفسير القرآن الكريم , محمد بن صالح عثيمين دار ابن الجوزي السعودية ط1 1423هـ م1ص210

11- تفسيرالمنار,محمد رشيد رضا و دار إحياء التراث العربي ط1 2002م ج2/ص411

12- صفوة التفاسير, محمد علي الصابوني , دار الفكر ج2 ص294

13- رواه الترمذي كتاب المناقب باب مناقب أهل بيت الله صلوات الله عليه حديث رقم ( 3786)

14- رواه مسلم كتاب الفضائل باب حوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حديث رقم 2304)

                              (12)

15- رواه مسلم كتاب الفضائل باب حوض نبينا صلى الله عليه وسلم حديث رقم ( 2299)

16- رواه مسلم كتاب الفضائل باب حوض نبينا صلى الله عليه وسلم حديث رقم ( 2305)

17- رحلة ابن بطوطة , تحقيق طلال حرب , دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط2 /1992 ص81

18- عبدا لغني النابلسي , الحقيقة والمجاز في رحلة بلاد الشام ومصر والحجاز ط1 الهيئة المصري العامة للكتاب 1986 ص65

19- تفسير الالوسي ج17/ص93

20- رواه الدارمي في مسنده ج2 ص403

21- رواه الترمذي في فضائل الجهاد ( باب ما جاء في فضل الحرس في سبيل الله حديث رقم (1639)

22- إمام الحرمين الجويني  عبدالملك بن عبدالله , الغياثي تحقيق د.         عبدالعظيم الدين ط2/1401 مطبعة () مصر /ص 24

23- تفسير المنار, محمد رشيد رضا, دار إحياء التراث العربي / بيروت / لبنان ط1/2002 ج10 ص55

24- رواه مسلم كتاب الطهارة باب النهي عن التخلي في الطريق والظلال  حديث رقم 269

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                                          

الغش والتدليس

hanekaleelm | 18 يناير, 2017 07:21

الغش والتدليس والتغرير

                            كل أولئك من وسائل الكسب غير المشروع

                                      الشيخ : هاني خليل عابد

الأصل في الإنسان أن يكون كسبه من حلال مشروع وطيب لا من حرام خبيث قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم (1) " [ البقرة: 172 ] مع ملاحظة أن الله جلت قدرته جعل معايش العباد كثيرة ومتنوعة ليأخذ كل واحد من الناس ما قسمه الله له من طرق مشروعة قال تعالى :وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (الأعراف :10) فالله تعالى يمتن على عباده فيما مكن لهم من أنه جَعَل الأرض قرارًا، وجعل لها رواسي وأنهارًا، وجعل لهم فيها منازل وبيوتًا، وأباح منافعها، وسَخَّر لهم السحاب لإخراج أرزاقهم منها، وجعل لهم فيها معايش، أي: مكاسب وأسبابًا يتجرون فيها، ويتسببون أنواع الأسباب، وأكثرهم مع هذا قليل الشكر على ذلك، كما قال تعالى: { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } [ إبراهيم : 34 ] .(تفسير ابن كثير 3/390) أما الغش والتدليس والتغرير فكل أولئك من أساليب الخداع والكسب غير المشروع الذي ينال أصحابه عقاب الله تعالى ،والذي يوجب على الأمة رفضه ،والإنكار على من يمارسه ؛لما فيه من أكل أموال الناس بالباطل،وإلحاق الضرر بهم عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ_ الكومة المجموعة بلا كيل ولا وزن _(فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً فَقَالَ « مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ ». قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ_: المطر_ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ « أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَىْ يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّى ».(رواه مسلم) وفي حديث أخر يحذر صلوات الله عليه من كل تصرف يهدد حياة الأمة في دمائها وفي أمنها وكذلك يهدد اقتصاد الأمة وصحتها وسلامة أفرادها

فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ».(رواه مسلم) فكل التصرفات التي تلحق الضرر بأفراد الأمة منهي عنها، وفي الحديث الشريف أيضاً قوله عليه االسلام  (( ملعونٌ من ضارَّ مسلماً أو مكرَ به )) خرَّجه الترمذيُّ فالغش منهي عنه بأساليبه القديمة والجديدة مثل التدليس وهو أي التدليس كتم البائع عيب السلعة عن المشترى وإخفائه(المجموع للنووي 13/27) فكل ما كان من أساليب كسب المنفعة بطرق ووسائل الخداع فهو محرم ، وَضَابِطُ الْغِشِّ الْمُحَرَّمِ أَنْ يَشْتَمِلَ الْمَبِيعُ عَلَى وَصْفِ نَقْصٍ لَوْ عَلِمَ بِهِ الْمُشْتَرِي امْتَنَعَ مِنْ شِرَائِهِ فَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ يَكُونُ غِشًّا مُحَرَّمًا(الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر 5/42) ولننتبه إلى ما ذكره الشيخ ابن حجر في معرفة طريق الغش وهو أن يكون في المبيع وصف منقوص بمعنى أن يكون المبيع غير مطابق لشروط السلامة ولا للمقاييس المعتبرة فكل ذلك من الغش الذي يجب الحذر منه 

الغش والتدليس

hanekaleelm | 18 يناير, 2017 07:19

الغش والتدليس والتغرير

                            كل أولئك من وسائل الكسب غير المشروع

                                      الشيخ : هاني خليل عابد

الأصل في الإنسان أن يكون كسبه من حلال مشروع وطيب لا من حرام خبيث قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم (1) " [ البقرة: 172 ] مع ملاحظة أن الله جلت قدرته جعل معايش العباد كثيرة ومتنوعة ليأخذ كل واحد من الناس ما قسمه الله له من طرق مشروعة قال تعالى :وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (الأعراف :10) فالله تعالى يمتن على عباده فيما مكن لهم من أنه جَعَل الأرض قرارًا، وجعل لها رواسي وأنهارًا، وجعل لهم فيها منازل وبيوتًا، وأباح منافعها، وسَخَّر لهم السحاب لإخراج أرزاقهم منها، وجعل لهم فيها معايش، أي: مكاسب وأسبابًا يتجرون فيها، ويتسببون أنواع الأسباب، وأكثرهم مع هذا قليل الشكر على ذلك، كما قال تعالى: { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } [ إبراهيم : 34 ] .(تفسير ابن كثير 3/390) أما الغش والتدليس والتغرير فكل أولئك من أساليب الخداع والكسب غير المشروع الذي ينال أصحابه عقاب الله تعالى ،والذي يوجب على الأمة رفضه ،والإنكار على من يمارسه ؛لما فيه من أكل أموال الناس بالباطل،وإلحاق الضرر بهم عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ_ الكومة المجموعة بلا كيل ولا وزن _(فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً فَقَالَ « مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ ». قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ_: المطر_ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ « أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَىْ يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّى ».(رواه مسلم) وفي حديث أخر يحذر صلوات الله عليه من كل تصرف يهدد حياة الأمة في دمائها وفي أمنها وكذلك يهدد اقتصاد الأمة وصحتها وسلامة أفرادها

فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ».(رواه مسلم) فكل التصرفات التي تلحق الضرر بأفراد الأمة منهي عنها، وفي الحديث الشريف أيضاً قوله عليه االسلام  (( ملعونٌ من ضارَّ مسلماً أو مكرَ به )) خرَّجه الترمذيُّ فالغش منهي عنه بأساليبه القديمة والجديدة مثل التدليس وهو أي التدليس كتم البائع عيب السلعة عن المشترى وإخفائه(المجموع للنووي 13/27) فكل ما كان من أساليب كسب المنفعة بطرق ووسائل الخداع فهو محرم ، وَضَابِطُ الْغِشِّ الْمُحَرَّمِ أَنْ يَشْتَمِلَ الْمَبِيعُ عَلَى وَصْفِ نَقْصٍ لَوْ عَلِمَ بِهِ الْمُشْتَرِي امْتَنَعَ مِنْ شِرَائِهِ فَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ يَكُونُ غِشًّا مُحَرَّمًا(الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر 5/42) ولننتبه إلى ما ذكره الشيخ ابن حجر في معرفة طريق الغش وهو أن يكون في المبيع وصف منقوص بمعنى أن يكون المبيع غير مطابق لشروط السلامة ولا للمقاييس المعتبرة فكل ذلك من الغش الذي يجب الحذر منه 

التحذير من الأوهام

hanekaleelm | 12 يناير, 2017 10:07

                                 التحذير من الأوهام

                           مفتي البلقاء : هاني خليل عابد

إن المتابع لحال أمتنا اليوم يلحظ بعض الأمور العجيبة ،وخاصة في تناول بعض أبناءها  لموضوعات تحتاج إلى مجامع فقهية للبت فيها ،فأصبحت القناعات الشخصية تحل محل الأفكار المعتمدة ، ويعطي البعض لنفسه اصدر الحكم الشرعي بناء على ما فهمه ،دون الحذر من خطورة هذه المسألة ،والتي من أعظمها ما جاء في قوله تعالى :" وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (النحل :116) إضافة لما يترتب على هذا من فساد في الأرض، ونشر للغلو المؤدي إلى جنايات كبرى على الأنفس والأموال، فعَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ - أَوْ» يَعْصِبَ «شَكَّ مُوسَى - َعلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ»(رواه أبو داود) والعي هو الشخص جاهل الحكم فيرشدنا النبي صلوات الله عليه لنسأل أهل الاختصاص فيما يخفى علينا من الأحكام ،ولكن من المؤسف حقاً  أن تستثمر وسائل الاتصال اليوم في مجتمعاتنا للحديث في أمور الدين والشرع، والفقه، بدون علم ،والخلل ليس في هذه الوسائل ،بل يتمثل في طريقة الاستعمال ،والتي لو بنيت على مقاصد الشرع ،وما دعا إليه من المحافظة على الدين ،والنفس ،والعقل ،والنسل والمال ،لعملت على تماسك المجتمع ونشر الفضيلة فيه ،لذا يقتضي الأمر من التنبيه على بعض المحاذير التي يقع فيها أصحاب التواصل الاجتماعي ومنها 1- نشر موضوعات تنسب للدين من غير ذكر مصادرهم فيها وأعني بالمصادر هنا ليس المواقع الالكترونية ، بل أعني المصادر الرئيسة لعلوم الشرع من القرآن وكتب الحديث المعتمدة ،وفي مقدمتها البخاري ومسلم ،وكتب شروح الأحاديث ،وكتب الفقه المعتمدة ، وحتى لو كان المنشور يعزز لأمر جيد فلا بد أن يعزز المقبول في الحياة بالصحيح من الشرع ،والكذب على الشرع محرم بغض النظر عن نية صاحبه وأنه يقصد أو لا .

2- إدخال عامة الناس في فوضى فكرية تدخلهم في طريق التعمق المتجه نحو الوسوسة والغلو ، وعدم الاكتفاء بأركان الإسلام والإيمان ،بل العمل على جر عموم أبناء المجتمع للنزاع حول قضايا فيها متسع ، وينتج عن هذا الوقوع في التكفير ، ورمي الناس لبعضهم البعض بالزندقة ،والانشغال عن المهمات ،وعن الفروض العينية والكفائية بالجدل، وترك العمل وهذا خلافا لما أكد عيه علماء الإسلام من أن عموم الناس يكتفى منهم الإيمان بالأصول ولسوا مطالبين بالدخول في فرعيات العلوم وهذا ما ذهب إليه إئمة العلماء كما نقل النووي في شرحه لمسلم 1/171) مِنْ أَنَّ الْعَوَامَّ الْمُقَلِّدِينَ مُؤْمِنُونَ وَأَنَّهُ يُكْتَفَى مِنْهُمْ بِمُجَرَّدِ اعْتِقَادِ الْحَقِّ جَزْمًا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ. وأعجبتني عبارة للشيخمحمد عليش، (المتوفى: 1299هـ) عندما قال في بعض فتاويه وّتكفيرالْمُؤْمِنِ أَمْرٌ صَعْبٌ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ وَيُلْتَمَسُ عَدَمُهُ مَهْمَا أَمْكَنَ  فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك/ 2/350

 

 

من الأسئلة التي يثيرها الشباب المعاصر

hanekaleelm | 03 يناير, 2017 11:21

                             أسئلة معاصرة

                          د هاني خليل عابد

 

السلام عليكم شيخي سئلت سؤالا لم أجد عندي له جوابا وارجوا منك أن تفيدني. في حكم جواز معايدة اهل الكتاب بانه غير جائزكيف نقرب ذلك مع مشروعية الزواج منهم والإنجاب منهم والسماح بحرية ممارسة الشعائر لهم أليس في هذا السماح إقرار بعقيدتهم أكثر من المعايدة من ناحية. وهل تنطبق الأحكام الفقهية على اليهود والنصارى في أيامنا على أنهم أهل كتاب لأنهم لغوا في دينهم ومنهم أصلا لا يعرف دينه ولا يأبه به.

حاصل الجواب

علينا أن نلحظ بأنه في الفتوى يراعى الزمان والمكان ، والموقف فلا يقال بالمنع أو الجواز إلا بضوابط ،وليس الحال كما يعرضها أهل العصر من تعميم الكلام فيها وتبادل الاتهامات ، والتنابز بالألقاب ،فالأمر أهون من ذلك إنه تعامل الإسلام الحضاري مع الآخر من أهل الكتاب الذين جادلهم الشرع الشريف بالتي هي أحسن فيما وقع فيه الخلاف ،وأمر بمعاملتهم بعموميات البر الشرعي الوارد في قوله تعالى :" لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الممتحنة:8)

التوضيحات وآمل منك القراءة والمناقشة فرأي يحتمل الخطأ

أخي الكريم أسعدني السؤال الذي بعثت به إلي لأتشارك معك في توضيح بعض المسائل وأود في البداية أن أرجع فروع السؤال إلى أصوله حتى لا ننشغل بالفرعيات والتفريعات عن المهمات 1- سؤالك هذا يرجع في علاقة الإسلام بأهل الكتاب ،وأهل الكتاب منهم المقيم في بلاد الإسلام ومنهم من يقيم في خارجها ،ولا يخفى عليك بأن الذين يقيمون في بلاد المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة أنهم يطلق عليهم أهل ذمة وعهد ،فلهم حقوق وعلى رأسها الأمن والأمان وحرية الشعائر التعبدية الخاصة بهم ،وأن لا يذكروا دين الإسلام إلا بخير بمعنى ما يسمى اليوم بفقه المواطنة من حيث الحقوق والواجبات ،وفي كلام الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما طعن وكان في ساعاته الأخيرة من الحياة قال  أُوصِي الخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيْرًا، أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ، وَذِمَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَأَنْ لاَ يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ "(رواه البخاري بَابُ مَا جَاءَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا رقم1392

2- ومثلما ذكرت فإن شرعنا الشريف تعامل مع أهل الكتاب بالإحسان والبر وأعطاهم حقوق وواجبات المواطنة وأنقل لك نصوصا من كتب ثقافتنا الشرعية في مسائل متعددة ومنها

 

 

أ‌-                 تكنية الرجل الذمي ،سئل الإمام أحمد هل يكني الرجل أهل الذمة فقال: قد كنى النبي صلى الله عليه وسلم أسقف نجران، فقال: يا أبا حسان لا بأس به وكان يأمر الصحابة بذلك أيضا. قال المناوي في شرحه الكبير على الجامع الصغير لدى حديث: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، المخرج من ابن ماجه والبزار والطبراني، وابن عدي والبيهقي والحاكم(التراتيب الادارية الكتاني )

ب – تحريم الإضرار بأهل الذمة فالضرر محرم إن كان لمسلم أو ذمي  قال القاضي أبو يوسف :"وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَتَعَمَّدَ أَرْضًا لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ بِذَلِكَ لِيُهْلِكَ حَرْثَهُ فِيهَا، يُرِيدُ بِذَلِكَ الإِضْرَارَ بِهِ؛ فَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الضِّرَارِ، وَقَدْ قَالَ "مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا أَوْ غَيْرَهُ مَلْعُونٌ". وَعُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَمْنَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ظُلْمِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ.(الخراج لأبي يوسف 1/112)

ج- الإنفاق على الذمي الذي لا معيل له :فقد مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِبَابِ قَوْمٍ وَعَلَيْهِ سَائِلٌ يَسْأَلُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَضَرَبَ عَضُدَهُ مِنْ خَلْفِهِ، وَقَالَ: مِنْ أَيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْتَ؟ فَقَالَ: يَهُودِيٌّ. قَالَ: فَمَا أَلْجَأَكَ إِلَى مَا أَرَى؟ قَالَ: أَسْأَلُ الْجِزْيَةَ وَالْحَاجَةَ وَالسِّنَّ. قَالَ: فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ، وَذَهَبَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَرَضَخَ لَهُ بِشَيْء مِنَ الْمَنْزِلِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَازِنِ بَيْتِ الْمَالِ فَقَالَ: انْظُرْ هَذَا وَضُرَبَاءَهُ؛ فَوَاللَّهِ مَا أَنْصَفْنَاهُ أَن أكلنَا شبيته ثُمَّ نَخُذُلُهُ عِنْدَ الْهَرَمِ "إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين"، وَالْفُقَرَاءُ هُمُ الْمُسْلِمُونَ وَهَذَا مِنَ الْمَسَاكِينِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَوَضَعَ عَنْهُ الْجِزْيَةَ وَعَنْ ضُرَبَائِهِ(الخراج لأبي يوسف 1/138)

د-كَيفَ يعزى أهل الذِّمَّة:

سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ: رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ يَمُوتُ لَهُ الْوَلَدُ أَوِ الْقَرَابَةُ كَيْفَ يُعَزَّى؟ قَالَ: يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْمَوْتَ عَلَى خَلْقِهِ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَهُ خَيْرَ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ فِيمَا نَزَلَ بِكَ لَا نَقَصَ اللَّهُ لَكَ عددا".(الخراج لأبي يوسف 1/235)

هـ-  تحريم استباحة أموال أهل الذمة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ، فَقَالَ: إِنَّا نَمُرُّ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ، فَنُصِيبُ مِنَ الشَّعْرِ أَوِ الشَّيْءِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَحِلُّ لَكُمْ مِنْ ذِمَّتِكُمْ إِلَّا مَا صَالَحْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ(الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام 1/197)

و- البر والإحسان لأهل الذمة فعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " كَانَ نَاسٌ لَهُمْ أَنْسِبَاءُ وَقَرَابَةٌ مِنْ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، وَكَانُوا يَتَّقُونَ أَنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ، وَيُرِيدُونَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَنَزَلَتْ: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 272] "(الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام 1/728)

ز- تقاسم هموم المجتمع معهم فيجوز لهم أن يخرجوا وقت انقطاع المطر للاستسقاء مع المسلمين قيل لأبي عبد الله: يخرج أهل الذمة يدعون مع المسلمين في الاستسقاء؟ فلم ير به بأسا. أحكام أهل الملل والردة من الجامع لمسائل الإمام أحمد بن حنبل المؤلف: أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد الخَلَّال البغدادي الحنبلي (المتوفى: 311هـ)1/49

3- أما ما ذكرته من تهنئتهم بأعيادهم ،مثل ميلاد عيسى عليه السلام فأرى أن هذه المسألة يعمل البعض على تضخيمها ،وتشعيب القول فيها بطريقة أرى فيها نصرة لدعاة صراع الحضارات ،وإدامة النزاعات وأرى أن النظر في هذه المسألة ينبغي أن يتعامل معها

أ- أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره ، يعني نحن نؤمن بعيسى عليه السلام ،ولا مشكلة عندنا في ذلك .بل نؤمن بكل الأنبياء والرسل ونبينا صلوات الله وسلامه عليه،وتعلمنا من نبينا عليه الصلاة والسلام الكلام عن الأنبياء ومع أتباع الأنبياء بلغة تؤسس للتواصل الإيجابي في المصلحة العامة ،بما يجعلنا نواجه مخاطر الإلحاد واللادينية ،وأستدل على كلامي هذا بما رواه البيهقي في الدلائل 2/416  في قصة عقبة وشيبة ابنا ربيعة الذين بعثا للنبي صلوات الله عليه قطفا من العنب مع خادم لها نصراني  مِنْ أَهْلِ نِينَوَى مَعَهُ عِنَبٌ،

فَلَمَّا جَاءَهُ عَدَّاسٌ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: مِنْ أَيِّ أَرْضٍ أَنْتَ يَا عَدَّاسُ؟ قَالَ لَهُ عَدَّاسٌ: أَنَا مِنْ أَهْلِ نِينَوَى، فَقَالَ لَهُ.

النَّبِيُّ صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ: مِنْ مَدِينَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتَى، فَقَالَ لَهُ عَدَّاسٌ: وَمَا يُدْرِيكَ مَنْ يُونُسُ بْنُ مَتَّى، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ- وَكَانَ لَا يَحْقِرُ أَحَدًا أَنْ يُبَلِّغَهُ رِسَالَةَ رَبِّهِ- أَنَا رَسُولُ اللهِ، وَاللهُ تَعَالَى أَخْبَرَنِي خَبَرَ يُونُسَ بْنِ مَتَى.

فَلَمَّا أَخْبَرَهُ بِمَا أَوْحَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ شَأْنِ يُونُسَ بْنِ مَتَّى، خَرَّ عَدَّاسٌ سَاجِدًا لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وَسَلَّمَ، وَجَعَلَ يُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ وَهُمَا يَسِيلَانِ الدِّمَاءَ.

 

ب‌-            إن هذه المسألة فيها كلام طويل للعلماء بين من يرى عدم الجواز خشية من اقرارهم على عقيدتهم ،وفريق آخر يرى الجواز لأن هذا الفعل ليس إقرارا، ولكن من باب المجاملات والتي جاءت عموميات النصوص الشرعية بجوازها من الأمر بالإحسان والقول الحسن مع العموم . قلت ما أعلمه والله أعلم 

أعطني الدليل؟؟؟؟

hanekaleelm | 28 ديسمبر, 2016 10:39

أعطني الدليل ؟؟؟؟؟

مفتي البلقاء: د هاني خليل العابد

نسمع في هذه الأيام  موضوعات نقاشية كثيرة فيسارع أحدهم بالقول أعطني الدليل؟ ألا يعلم البعض بأن الدليل موجود ولكنه يحتاج إلى عقل راشد لاستخرجه ،قال الرشيد يوماً : كيف علمك يا شافعي بكتاب الله عز وجل؟ فقال الشافعي: عن أي كتاب من كتب الله تسألني يا أمير المؤمنين؟ فإن الله تعالى قد أنزل كتبا كثيرة. قال الرشيد: قد أحسنت لكن إنما سألت عن كتاب الله المنزل على ابن عمي محمد صلى الله عليه وسلم. فقال الشافعي: إن علوم القرآن كثيرة فهل تسألني عن محكمه ومتشابهه، أو عن تقديمه وتأخيره، أو عن ناسخه ومنسوخه، وصار يسرد عليه من علوم القرآن ويجيب على كل سؤال بما أدهش الرشيد والحاضرين.

لذا لا بد لأهل الاختصاص التدخل لمنع كل هذا العبث، والخبث الذي لا يخرج إلا نكدا ، ويجر إلى القتل ،والعنف، واستباحة الدماء ، وتكفير الناس بالظن ، والجمود في التعامل مع النصوص ،فالنصوص تحتاج إلى عقول لتفهمها تكون كالجداول تتحرك فتتحرك الحياة ، لا إلى جلامد  من الصخور اليابسة التي لا تشرب ماءً ولا تنبت زرعا .

وفي إطار هذا الفهم ندرك أن في الإسلام ثوابت لا تتغير، كمسائل العقيدة والإيمان بالله ،وأركان الإسلام والإيمان، فهذه ثوابت معلومة وواضحة بالضرورة ، وبعد ذلك هناك مسائل وقع الإجماع عليها فلا مجال للخروج عليها ،ولها مصادرها للوقوف عليها ككتاب الإجماع لابن المنذر ، وبعد ذلك مسائل جاء حولها النقاش بين المذاهب الأربعة المعتبرة التي تبحر فيها أبو حنيفة ،ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وتلاميذهم الذين حرروا وحققوا البحث وفق ضوابط أصول وقواعد البحث ، وهنا ضوابط للتعامل مع كل هذا فكراً وتطبيقاً.  

1- احترام التنوع الفقهي في الفروع ، وبيان أنه اختلاف تنوع وتكامل ، وإثراء لمسيرة الفقه والتشريع، وبناءاً على ذلك الفهم فإنه ينظر لكلام الفقهاء المتعدد على أنه توسع وليس تناقض، فالتنوع حدث في عصر الصحابة يقول الجصاص عن طبيعة الاختلاف الفقهي في عصر الصحابة وَكَانُوا فِي الِاخْتِلَافِ الْآخَرِ مُتَسَالِمِينَ غَيْرِ مُنْكِرٍ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ خِلَافَهُ إيَّاهُ فِيهِ(الفصول للجصاص 4/308)ولا يرد على ذلك بعض الفتن التي حدثت في زمن الصحابة ، لأن مرد القتال جاء من فكر الخوارج ، وأهل الفوضى ، وأصحاب المآرب الضيقة .

2- الفقه في الإسلام يقوم وفق قواعد شرعية ،ومنها القصد والنية ،وبناء الأمور على اليقين لا على الشك ،والأخذ بالاعتبار استطاعة وإمكانية التطبيق ،ومراعاة عادات الناس التي لا تخالف الشرع ،وكذلك البعد عما يلحق الضرر بالشأن العام والخاص وفق موازنات ،وترجيحات ،ومراعاة الأصلح والأنفع .

 

3- القرآن يعلمنا الأنفع وتقديمه على النافع مثال على ذلك ما ذكره القرآن قال تعالى:"وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ  فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً (الأنبياء 78-79) وذلك عندما اشتكى رجل لدواد عليه السلام بأن غنم شخص آخر أتلفت زرعه ،فقضى داود بأن يأخذ صاحب الزرع الغنم تعويضاً عن الضرر الذي لحق به ، ولما سمع بالمسألة ولده نبي الله سليمان عليه السلام ،حكم بأن يأخذ صاحب الزرع الغنم ،وينتفع منها مدة قيام المتسبب بالضرر وهو صاحب الغنم  بإصلاح الزرع، وإصلاح ما أفسد ،وبعد ذلك يسترد غنمه ، وأثنى الله على حكم سليمان ولم يذم حكم داود ، مع أن فقهاء الإسلام وقفوا مع القصة ومنهم القرافي حيث ذكر بأن حكم سليمان في وقته كان أتم وأفضل ،مراعاة للأحوال والمعطيات القائمة في ذلك العصر ،ومنها حاجة الناس للأعيان ،لكن لوحدث في زماننا لكان التعويض الذي حكم به داود عليه السلام أفضل خاصة إذا كان صاحب الغنم مفلسا فيتم أخذ غنمه وبهذا يفهم تنوع الأحكام باعتبار الوقائع  (الفروق للقرافي بتلخيص وتصرف 4/187)

الاقتداء الغائب

hanekaleelm | 14 ديسمبر, 2016 09:59

كلمة بمناسبة ذكرى ميلاد الحياة والرحمة المهداة 

الاقتداء الغائب.......

مفتي البلقاء د هاني خليل عابد

جعل الله سبحانه وتعالى سيدنا محمدا قدوتنا  فقال:"لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ( الأحزاب:21) وذلك لأنّ الاقتداء به هو طريق السعادة في الدارين الدنيا والآخرة ، ويوم أن كانت الأمة تقتدي بنبيها اقتداء شرعيا ًحضاريا ًسادت على الأمم كلها ،وكانت أراضيها محجّاً لكل شعوب الأرض التي عانت من الظلم، والجهل، والفقر ،ولكن بسب التراخي في التطبيق الحضاري للاقتداء بالجناب النبوي عالي المقام تراجعت الهمم ،ووافق ذلك طمعاً من أعداء هذه الأمة ،فتمّ ترتيب الغزو الثقافي لهذه الأمة بالعمل منهم على تعطيل الرافعة الكبرى لهذه الأمة ،من خلال طرح الشبهات ،وقطع الناشئة عن ما يُعرفُ بعلوم الآلة لفهم الشريعة فضعفت العربية، فأصبح هناك فجوة بين الجيل الصاعد وأجيال قلاع العلم ،وأصبحت الناشئة يستهويها الخطاب المتشدد، وأعدّت لهم مواد مكتوبة، ومسموعة، ومرئية ، شكلت ما نستطيع وصفه بموسوعات ومعاجم التشدد والانغلاق، فنتج عن ذلك القطيعة والتدابر ، وتفعيل الطائفية بدلاً من المواطنة الصالحة ،كل ذلك يستدعي منا جميعا وفاءً لصاحب الذكرى العطرة ،أن نتكامل في إعادة الإسلام الحضاري ،فلم يعد مقبولاً أن تبقى هذه الموضوعات غائبة عن ساحات المسلمين ومن ذلك .

1- العمل على حماية المجتمع من كل ما يعكر السلم المجتمعي ،لتقوم أركان المجتمع على التشاركية ،والمودة ،والحذر من القطيعة والتدابر والبغضاء قال عليه السلام : «لاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ»(رواه البخاري ومسلم)

2- تحليل النصوص الشرعية من قرآن وسنة من خلال علم أصول الفقه، فهناك ثوابت تتفق عليها الأمة كمسائل أركان الإيمان والإسلام ،وهناك فروع قابلة للاجتهاد تحتاج إلى أهل الاختصاص ممن أتقنوا العربية، ولديهم الحصيلة العلمية من أهل العلم الأكفياء ؛ للنظر والتأمل ، ولنرجع إلى كتب الحديث المعتمدة كالبخاري مثلا يورد حديث الأعمال بالنية قريبا من ثمانية مواطن من صحيحه، مستدلاً بالحديث على أهمية القصد والنية ،بداية من النية العامة للمسلم بأن تكون لوجه الله مروراً بفاعلية القصد في معاملات الإنسان، وحركته الاقتصادية والاجتماعية ،والموضوع في هذا يطول  .وهذا مثلٌ على أثر العلماء في تفعيل النص الشرعي في حركة الحياة بدلاً من الجمود

3- العمل على إعادة منظومة القيم والأخلاق فنبي هذه الأمة عرف قبل البعثة وبعدها وكان خلقه القرآن صلوات الله عليه كما وصفته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ،فالنبي صلوات الله عليه وسع الناس بأخلاقه الراقية ،فأحبه الناس ودخل شرعه لقلوبهم ،فمن يأتي اليوم ليقدم رسالة الإسلام بالعنف والتطرف ،وممارسة الإرهاب الفكري ليس له حظ ولا سهم من رسالة الإسلام الحضارية، خذوا هذه القصة للمثال لا للحصر من الأمانة والمحبة والشهامة النبوية  فعن عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ تِرْبًا(يعني في مثل سنه ) لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكُنْتُ أَرْعَى غَنْمَ أَهْلِي وَيَرْعَى غَنْمَ أَهْلِهِ فَوَعَدَنِي بِمَوْضِعٍ نَرْعَى فِيهِ غَنَمَنَا قَالَ: فَأَتَيْتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سَبَقَنِي إِلَيْهَا وَإِذَا هُوَ يُخَلِّي غَنَمَهُ عَنِ الرَّعْيِ فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ، مَا لَكَ تُخَلِّي غَنَمَكَ عَنِ الرَّعْيِ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَاعَدْتُكَ وَلَمْ أَكُنْ لِأَدَعَهَا تَرْعَى حَتَّى تَأْتِيَ " قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: التَّخْلِيَةُ: الْمَنْعُ((كتاب أخبار مكة للفاكهي 3 /386 أين نحن من كل هذا فإن الوصف النبوي كما يصدق فيه من قال

 

وعلى تفنن الواصفين بوصفه      يفنى الزمان وفيه مالم يوصف ........

سؤال 1

hanekaleelm | 04 ديسمبر, 2016 07:07

بسم الله الرحمن الرحيم

سؤال وجواب

اعداد المفتي هاني العابد

 السؤال الوارد : السلام عليكم يا شيخنا. سؤال وأرجوا ان تفيدني بعلمك، هل يجوز القياس على حالنا مع حال اهل الكهف مع كثرة الفتن واضرار المنتوجات الغربية والاشعة الضارة والطعام المعدل جينيا وبعد الناس وكثرة المحرمات التي تقع ،فهل ترى فائدة في اعتزال الخلق والذهاب لاماكن بعيدة عن المدن وتكوين قرى اسلامية؟

 الجواب :

 بارك الله فيك وعلى حرصك على طاعة الله وامتثال أمره ، أما ما ذكرته من السؤال فالجواب عنه هل العزلة عند حدوث الفتن أفضل أم الاختلاط بالناس والإقامة بينهم وحاصل الجواب أن الإقامة مع الناس أفضل مع السعي بالإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع مراعاة الضوابط الشرعية الواردة في قوله تعالى :ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (النحل :125).

 أما تفصيل ذلك :

1- قَالَ صلوات الله عليه: «المُسْلِمُ إِذَا كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ المُسْلِمِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ)»  رواه الترمذي رقم 2507) ووجه الاستدلال بالحديث أنه صلوات الله عليه جعل حال المسلم المخالط للناس ،الصابر على أذاهم ،خير من حال المعتزل ،ولا يتأتى الصبر إلا من خلال معايشة واقع الناس والعمل على إصلاحه بالقدوة الحسنة ،وتكثير صور الخير فيه ،والتعاون على البر والتقوى

2- ومما يؤكد هذا المعنى ما جاء عند البخاري من أنّ المسلم الباذل لماله ونفسه في سبيل الله أعلى مقاما ودرجة من المسلم الذي يعبد الله معتزلا الناس ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: " رَجُلٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ: يَعْبُدُ رَبَّهُ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ "رواه البخاري كتاب الرقاق بَابٌ: العُزْلَةُ رَاحَةٌ مِنْ خُلَّاطِ السُّوءِ رقم 6495)

3-  قال الحافظ ابن حجر : وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في أَصْلِ الْعُزْلَةِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ الِاخْتِلَاطُ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنَ اكْتِسَابِ الْفَوَائِدِ الدِّينِيَّةِ لِلْقِيَامِ بِشَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَتَكْثِيرِ سَوَادِ الْمُسْلِمِينَ وَإِيصَالِ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ إِلَيْهِمْ مِنْ إِعَانَةٍ وَإِغَاثَةٍ وَعِيَادَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ(فتح الباري لابن حجر 13/43

4-وقد توسع البحث عند علماء الإسلام في موضوع اعتزال الناس فرارا بالدين وهل هو أفضل من الخلطة بالناس ،وسبق لنا ذكر الكلام الحافظ ابن حجر لكن نضيف عليه تفصيلا أن لكل من العزلة والاختلاط أحكام وضوابط شرعية ،ولا تكون وفق المزاج ،بل وفق مصلحة المجتمع المسلم ،فلا يليق بمن يقيمون الفرائض الكفائية في الأمة أن يعتزلوا ،ولئن كانت العزلة تمثل حصانة للفرد من الوقوع في المعاصي فإن للخلطة بالناس حصانة مجتمعية من الفساد والهلاك قال القاسمي :"وَأَمَّا أَكْثَرُ السَّلَفِ فَذَهَبُوا إِلَى اسْتِحْبَابِ الْمُخَالَطَةِ وَاسْتِكْثَارِ الْمَعَارِفِ وَالْإِخْوَانِ وَالتَّآلُفِ وَالتَّحَبُّبِ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ فِي الدِّينِ تَعَاوُنًا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَإِنَّ فَوَائِدَ الْعُزْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ يُمْكِنُ نَيْلُهَا مِنَ الْمُخَالَطَةِ بِالْمُجَاهَدَةِ وَمُغَالَبَةِ النَّفْسِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَلِلْمُخَالَطَةِ فَوَائِدُ عَظِيمَةٌ تَفُوتُ بِالْعُزْلَةِ. ( موعظة المؤمنين للقاسمي 1/151)

5-  وأما ما ذكرته من قصة أهل الكهف واعتزالهم في الكهف مثلما ذكر في الذكر الحكيم فقد ذكر القرطبي بأن أَحْوَالُ النَّاسِ فِي هَذَا الْبَابِ تَخْتَلِفُ(تفسير القرطبي (10 / 362):ومعنى كلامه أن الناس في هذا الموضوع تتفاوت أحوالهم ، وأن مرد ذلك يعود إلى الحال والواقع ففي واقع المجتمعات المعاصرة وحاجتها للماء والكهرباء ،وشؤون معاشهم لا غنى لهم عن الخلطة مع مراعاة حدود الله ، إضافة إلى أن واقع فتية أهل الكهف وقت ظهورهم كان واقعا مشركا يجبر الناس على الكفر بالقوة ،أما إذا أمن الناس على طاعتهم ولم يضيق عليهم في صلاة جماعتهم وإقامة جمعهم فلا تشرع العزلة، قال ابن كثير وهو يتناول تفسير قصة أهل الكهف :" وَهَذَا هُوَ الْمَشْرُوعُ عِنْدَ وُقُوعِ الْفِتَنِ فِي النَّاسِ، أَنْ يَفِرَّ الْعَبْدُ مِنْهُمْ خَوْفًا عَلَى دينه، كما جاء في لْحَدِيثِ: "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خيرُ مَالِ أَحَدِكُمْ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَغَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْر، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ" (رواه البخاري ) فَفِي هَذِهِ الْحَالِ تُشْرَعُ الْعُزْلَةُ عَنِ النَّاسِ، وَلَا تُشْرَعُ فِيمَا عَدَاهَا، لِمَا يَفُوتُ بِهَا مِنْ تَرْكِ الْجَمَاعَاتِ وَالْجُمَعِ.(تفسير ابن كثير 5/142) والحاصل أن الخلطة بالناس والعمل على الإصلاح المتاح في بلادنا ، والاهتمام بالعقيدة ، والزراعة وشؤون معاش الناس وتوفيرها ، خير من الانسحاب من المجتمع وبالله التوفيق

 

 

تعريف الدين

hanekaleelm | 14 نوفمبر, 2016 11:21

                       نظرات في تعريف أبي البقاء الكفوي للدّين

                          مفتي البلقاء : د هاني خليل عابد

يكثر في هذه الأيام الحديث عن مسائل الإسلام ،هذا الدين العظيم ،دين الرحمة والبناء ،والتضحية والعطاء ،ولكن للأسف الشديد ،أصبحنا نرى اليوم من يعمل على تقزيم هذه الكلمة ،ويحاول أن يثبت في الأذهان أن وجود الإسلام إنما هو خيال ، أو فكر انغلاقي ،أو انعزالي عن الحياة ، وتوظف وسائل الاتصال المعاصر عند جهات متعددة ،لتعميق هذه الصورة ، ومن خلال التركيز على تصرفات بعض المسلمين ،الذين صوروا الإسلام دين لا يقبل الآخر ،بل يعمل على احتقار الآخرين ،والاعتداء عليهم ،ووضع اليد على ممتلكاتهم ، واستباحة دمائهم وأموالهم وأعراضهم ،ونحن هنا أمام حرب قذرة تستخدم فيها الشائعات المغرضة ،والحرب النفسية التي تعمل على تدمير سمعة المخالفين في ظل أجواء من عدم الخشية من الله ، والخوف من القوة بدلاً من احترام ما يحترمه العقل .

 

من أجل ذلك علينا أن نقوم بالرجوع إلى الكتب العلمية التي تضبط التعريف أو ما يسمى بالحدود والمصطلحات، فإن فعلنا ذلك تبين لنا المعايير الشرعية التي توضح ما هو من الإسلام، وما هو خارج عنه ،فيعود للصورة وضوحها ،ونخرج من حالة الضبابية والغشاوة فعندما يقول الحق جل وعلى : :"شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (آل عمران من 18-19) فالآيات تتحدث عن الدين ،وما أدراك ما الدين ،من أجمل التوضيحات ما كتبه صاحب كتاب الكليات أبو البقاء الكفوي ،أيوب بن موسى الحسيني الكفوي، (المتوفى: 1094هـ) عندما عرّف الدين فقال عبارَة عَن وضع آلهي سائق لِذَوي الْعُقُول باختيارهم الْمَحْمُود إِلَى الْخَيْر بِالذَّاتِ، قلبيا كَانَ أَو قالبيا، كالاعتقاد وَالْعلم وَالصَّلَاة( الكليات لأبي البقاء الكفوي 1/443ومن خلال التعريف يتجلى أن الدين مصدره من الله، عن طريق الوحي لأنبيائه ، هذا أولا ًولكنه ثانيا : موجه للمكلفين شرعاً من أصحاب العقول ،كما أنه ثالثاً يدعو العقلاء لاختيار الخير برغبة ونشاط ، ورابعا مسألة الخير هي مسألة تحتاج إلى دقة تقوم على التفكير الناضج ،الذي يراعي الجواز الشرعي وتطبيق العدل في التصرفات البشرية  ابتداء من القلب وتطهيره بالعقيدة الصافية ،مرورا ً بالبدن والتزامه بالتكاليف الشرعية المتعددة والمتنوعة ،وانتهاء بحركة الحياة كلها وإقامتها بالقسط ،أما تفسير الدين تفسيرا فلسفياً معاديا للبشرية ومعاديا للعلوم والمعارف ،فتلك من علل بعض المعاصرين والذين يا للأسف صوتهم الآن هو المسموع ، ويشوشون على صوت العقل والحكمة والرحمة فمتى نصر الله ألا إن نصر الله قريب  .

وعجلت إليك

hanekaleelm | 27 أكتوبر, 2016 07:11

تأمل في قوله تعالى وعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى

المفتي د هاني خليل عابد

آية وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (طه:84) حاصل معناها المبادرة إلى فعل الطاعات، للحصول على مرضاة الله ،شوقاً لرضاه ،واجتهاداً في تنفيذ أمره ،والحديث النبوي الشريف يؤكد مثل ذلك ويدعو إليه ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا»(رواه مسلم) ولكن ما جاء في القرآن والسنة من الأمر بالمسارعة إلى الخيرات لا يعني أداؤها بشكل متسرع ،ولا يعني عدم الإتقان في أدائها؛ لأن من غفل عن أدائها بإتقان لم يتحصل بركاتها ،فضلا من أن التعجل الأداء يخل بالأركان وربما أبطل الصلاة .

إذن حاصل معنى الآية  كما قال ابو السعود في تفسيره قال {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لترضى} عنّي بمسارعتي إلى الامتثال بأمرك واعتنائي بالوفاء بعهدك وزيادةُ ربِّ لمزيد الضراعةِ والابتهال رغبةً في قَبول العذر.

فيتحصل من ذلك أن الشوق إلى الله يتطلب المبادرة إلى الامتثال، مع العناية بالوفاء بالعهد، فهما أمران ،مبادرة وإتقان ، ولا حجة في الآية لمن يتسرع في العمل تسرعاً غير مدروس ، فالآية فيها اعتذار من موسى عليه السلام عندما تقدم عن قومه لمناجاة ربه ،فاعتذر عن تقدمه بالشوق للقاء الكريم ،ولكن الرحمن الرحيم علمه من خلال هذا الموقف أن الأولى في حقه لو بقي مع قومه الذين انفرد بهم السامري وزين لهم عبادة العجل .ومن أراد الاستزادة فليرجع للآيات في سورة طه ليعرف السبب والمناسبة.

وأما ما سنتحدث عنه هنا هو بيان أن الآية ليست حجة  لمن يتسرع تسرعا غير مدروس، فالشرع الشريف أكد في مواطن كثيرة  على مسألة  أداء العبادات  بالإتقان كثيرة ومنها قوله عليه السلام «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ ، فَلاَ تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ، عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»(رواه البخاري) وهذا خلافا لما يفعله العديد من الناس المسبوقين عند دخولهم للمسجد فيركضون ،ويخشى على صلاة هؤلاء إن لم يأتوا بتكبيرة الإحرام في حالة القيام ،إذ أن البعض منهم من فرط عجلته يأتي بها وهو راكع؛ ظناً منه أن ما يفعله هو من باب الحرص على إدراك الصلاة ،وثمة أمر آخر يقع فيه البعض ممن يدخل والخطيب يخطب الجمعة فلا يجلس حيث انتهى به المجلس، ولكنه يعمد إلى تخطي رقاب الناس ؛حرصاً منه على الصفوف الأولى، ودون مراعاة لحقوق الجالسين قبله ،فضلا على أنه يلحق الأذى بهم ،فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، فَجَعَلَ يَتَخَطَّى النَّاسَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اجْلِسْ، فَقَدْ آذَيْتَ وَآنَيْتَ»(رواه ابن ماجة) فهناك بَوْنٌ بَيْنَ الْمُسَارَعَةِ وَالْمُبَادَرَةِ إِلَى الطَّاعَاتِ وَبَيْنَ الْعَجَلَةِ فِي نَفْسِ الْعِبَادَاتِ فَالْأَوَّلُ مَحْمُودٌ وَالثَّانِي مذموم انتهى(تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للمباركفوري ج6/ص126

 

 فإذا كانت العجلة في أمور الدين بطريقة فيها استهتار وإيذاء مذمومة، أفلا يرعوي ويعتبر ويتوقف من  يتعجل بقيادة سيارة ويلحق الضرر بالناس والممتلكات .